الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
324
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
الإنسان من وراء الباب « انّ فلانا ليس هنا » ومراده خلف الباب ، ولكن المخاطب بسبب بعض ما في ذهنه من الاعتقادات أو التخيّلات ينتقل إلى فرد لا يريده المتكلّم ، أو بسبب كثرة استعماله في فرد خاص ، ولكن لم يبلغ حدّ الوضع وشبهه . وقد لا يحتمل الكلام ذلك المعنى إلّا مجازا أو ببعض القيود ، ولكن يريد المتكلّم منه ذلك ، كما إذا قال المتكلّم : أنا ما أكلت اليوم شيئا ، وأراد حالة النوم فانّ الكلام بظاهره نفي مطلق لا يحتمل الفرد الخاص ، واستعماله في خصوص حال النوم غير جائز إلّا ببعض القيود . أو قال : اليوم رأيت أسدا ، وقصد بذلك رجلا شجاعا مع عدم إقامة قرينة حالية أو مقالية عليه . أو قال : فلان مجتهد جامع الشرائط ، وأراد أنّه قريب الاجتهاد . والحقّ أنّ القسم الأوّل داخل في الصدق ، والثاني داخل في الكذب ، يشهد له مراجعة الوجدان وملاحظة كلمات العرف . فمن قال : هذا الدار ملك لي ، وأراد به الإجارة ، وملك المنافع ، كان كاذبا ، أمّا إذا قال : إنّ يدي خالية ، ففهم المخاطب الكناية عن عدم مال له ، ولكن أراد المعنى الحقيقي ، وهو خلو يده عن الأشياء الظاهرة كالكتاب والسبحة وغيرهما كان صادقا . فإذا ، الحقّ ما ذكره المحقّق القمّي قدّس سرّه في هذا المقام ، والسرّ في ذلك أنّ الوضع يقتضي استعمال اللفظ في معناه الحقيقي ، أو المجازي مع القرينة ، فمن فعل غيره كان كاذبا ، والعمدة هو فهم العرف ، وتبادر ما ذكرنا من لفظ الكذب . والخلط بين هذين القسمين صار منشأ للخلاف في حكم التورية ، بل وفي تفسير الصدق والكذب في الأخبار ، ولعلّ المشهور أيضا أرادوا ما ذكرنا ، فتأمّل . والحاصل ، أنّ التورية على قسمين : قسم منها جائز مطلقا ، وقسم لا يجوز إلّا عند الضرورة . نعم يبقى هنا بعض ما ورد في روايات الباب ، فما عدّ دليلا للقول الأوّل وهو الجواز مطلقا هي الروايات التالية :